مرثية لآخر نخلة !!

****

من أحلى قصائدي.. التي أعتز وأفتخر بها هذه القصيدة "مرثية لآخر نخلة" ... التي نالت رضا وإعجاب القراء والنقاد على حد سواء .. وأُلّفتْ حولها دراساتٌ أكاديمية  .. رسائلُ ماجستير  .. ودكتوراه .. وماستر .. ويحفظها الكثيرون من القراء .. أتمنى أن تجدوا فيها ما يروق ذوقكم الرفيع ...

كتبت سنة 1996م في رثاء الإمام الجليل العالم العامل الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله ونفعنا بعلمه...

****

جوادُكَ الحقُّ مَعْقُودٌ بِهِ الظَّفَرُ

وَجُنْدُكَ الْعَقْلُ وَالإِيمَانُ وَالذِّكَرُ!!

 

وَرَايَةُ اللهِ بالتّوْحِيدِ خَافِقَةٌ

فِي كُلّ قَلْبٍ بِمَا ذَكَّرْتَ يَدَّكِرُ !!

 

عَصَرْتَ من دَالِيَاتِ النُّورِ خَمْرَتَنَا

فالسَّاكِرُونَ بِغَيْرِ اللهِ مَا سَكِرُوا !!

 

***

يَا حُجَّةَ الله في لَيْلٍ يُذبِّحُنَا

شَمْسًا طَلَعْتَ .. وَ شَمْسًا حِينَ تَسْتَـتِرُ !!

 

عَفوًا إِذَا شَرِقَتْ بالدَّمْعِ مَرْثِيَتِي

حُزْنًا عَلَيْكَ .. وَعَفْوًا حِينَ تَنْهَمِرُ!!

 

هَا أَنْتَ تُسْلِمُني لِليُتْمِ يَا أَبَتِي

فَكَيْفَ أشْرَحُ حُزْنَي ؟ كَيْفَ أَخْتَصِرُ؟!!

 

وَكَيْفَ أُطْفئُ جمرَ الهمِّ فِي كَبِدِي ؟

مِنْ أَيْنَ أَبْتَدِئُ الشَّكْوَى .. وَأَبْتَدِرُ ؟

 

عَفْوًا إِذَا شَرِقتْ بالحُزْنِ مَرْثِيَتِي

أسىً عَلَيْنَا .. وَعَفْوًا حِينَ تَقْتَطِرُ!!

 

***

هَذِي قَوَاعِدُ بَيْتِ اللهِ بَاكِيَةٌ

عَلَيْكَ .. وَالْمَسْجِدُ الْمَحْزُونُ والسُّتُرُ!!

 

مآذنُ القُدسِ والمِحْرَابِ دَامِعَةٌ

وَرَوْضَةُ المُصْطَفَى .. وَالشَّمْسُ والقَمَرُ!!

 

يَكَادُ يُنْطِقُها مِنْ حُزْنِهَا أَلَـمٌ

أزْرَى بِهَا .. وَيَكَادُ الدَّمْعُ يَنْهَمِرُ!!!

 

***

لـمَّا رأيتُ ذُرَا الأَوْرَاسِ صامدةً

أَدْرَكْتُ أنَّ عُرَا الإِيمَانِ تَنْتَصِرُ!!

 

لأنَّهُ مَا انْحَنىَ إلاَّ لِخَالِقِهِ

وَمَا تَلَفَّتَ إلاَّ لِلأُلَى نَذَرُوا ..

 

أَرْوَاحَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ .. وَاحْتَكَمُوا

للهِ .. وَاقْتَدَرُوا بِالله .. فانتَصَرُوا..!!

 

***

أَجْفَانُ "سِرْتَا" عَلَى أَحْزَانِهَا اشْتَبَكَتْ

لَمَّا تَنَاهَى إِلَى أَحْدَاقِهَا الْخَبَـرُ !!

 

وَكَيْفَ لاَ ؟! وَهْيَ تَدْرِي أَنَّهَا فَقَدَتْ

فِيكَ الْإِمَامَ الَّذِي مَازَالَ يُنتَظَرُ ! !

 

***

سَرَى بكَ الْعُمْرُ ـ مَعْذُورًا ـ إِلَى أجَلٍ

وَافَى سَرِيعًا .. وَلَيْلُ الْجَهْلِ مُعْتَكِرُ..

 

فِي أُمَّةٍ تَتَرَدَّى .. وهْي مُدْرِكَةٌ

صِرَاطُهَا مُسْتَقِيمٌ .. وَهْيَ تَنْكَسِرُ !!

 

فِي أُمَّةٍ أَدْرَكَتْ قُصْوَى جَهَالَتِهَا

إِنْ زُفَّ مِنْهَا شَهِيدٌ .. قِيلَ : مُنْتَحِرُ!!

 

فِي أُمَّةٍ عَقَرَتْ أَفْرَاسَها .. وَ مَشَتْ

فِي مَوْكِبٍ حَادِيَاهُ الرُّوم والتَّـتَرُ!!

 

واسْتَأْجَرَتْ جَيْشَ هُولاَكُو وَأَبْرَهَةً

وَجَوَّعَتْ دَجْلَتَيْهَا .. كَيْفَ نَعْتَذِرُ؟ ! !

 

وَ حَاصَرَتْ فِي رَوَابِي الْقُدْسِ خَالِدَهَا

وَ سَيْفَهُ .. وأُسُودًا طَالَمَا زَأَرُوا !!

 

كأنَّمَا القُدسُ لَمْ يَحْـبَلْ بِمَكْرُمَةٍ

ولَمْ يَلِدْ من بِهِمْ نَسْمُو .. وَنَفتَخِرُ!!

 

كأنَّمَا القَادِسِيَّاتُ الَّتِي عَقَدَتْ

للفَتْحِ أَلْوِيَةً .. لَمْ يَحْدُهَا الظَّفَرُ!!

 

وَلاَ الْمُثَنَّى تَثَـنَّى فوق أدْهَمِه

عِزًّا .. ولاَ عَزَّ صِدِّيقٌ .. وَلاَ عُمَرُ !!

 

كأنَّما الخَيْلُ لَمْ تُسرجْ لِمَلْحَمَةٍ

وَمِنْ حَوَافِرِهَا لَمْ يَقْدَحِ الشَّرَرُ !!

 

كَأَنَّ حَيْدَرَ ما أَبْلَى وَلاَ نَبَتَتْ

منْ جُرْحِهِ الْمَكْرُمَاتُ البِيضُ والعِتَـرُ!!

 

***

سَرى بِكَ العُمْرُ – مَعْذُورًا - علَى عَجَلٍ

وجَاءكَ الْمَلَكُ الـمَـوْكُولُ يَعْتَذِرُ !!

 

كَأَنَّهُ مَا سَقَى مِنْ كفِّهِ أَحَدًا

ولَمْ يَذُقْ كَأسَهُ جِنٌّ ولاَ بَشَرُ!!

 

لوْ كَانَ يُمْهِلُ وَعْدُ الْحَقِّ مَوْعِدَهُ

هَلْ كُنْتَ أَوَّلَ وَعْدٍ يُمْهلُ القَدَرُ ؟! !

 

لَكِنَّهَا سُنَّةُ الرَّحْمَنِ نَافِذَةٌ

فِينَا .. وَ لَسْتَ بِمَا أَبْقَيْتَ تَنْدَثِرُ !!

 

نَحْنُ الْـمَوَاتُ .. لَهِيبُ الْجَهْلِ يَصْهَرُنَا

وَأَنْتَ حَيٌ بنورِ العلمِ تَـنْصَهِرُ !!

 

نَزَفْتَ وَحْدَكَ فَوْقَ الدَّرْبِ مُغْتَـرِبًا

وَمَا شَكَوْتَ لَظىً والدَّربُ تَسْتَـعِرُ !!

 

حتَّى اسْتَوَيْتَ عَلَى الأَسْرَارِ مُطَّلِعًا

فَذًّا ..كَأَنَّكَ فِي أَيَّامِنا الخَضِرُ !!

 

***

تَبَاركَتْ خطَوَاتُ الجِيلِ طَاهِرَةً

وحَمْحَمَاتُ جِيَادٍ عِشْتَ تَبْـتَكِرُ!!

 

تَبَارَكَ الفجرُ وضَّاحًا ومبتَسمًا

يَنْسَلُّ من ظُلماتٍ وهْي تنحَسِرُ!!

 

هَذِي جِيادُكَ في حطِّينَ صَاهِلَةٌ

أنِ ارْكَبُوا .. فَصَلاَحُ الدِّينِ مُنتظِرُ !!

 

ورايةُ الْحَقِّ في الشِّيشَانِ عَالِيةٌ

وفِي رُباَ غَزَّةٍ يُسْتَـنْفَرُ الحَجَرُ !!

 

كَتَائِبُ اللهِ فِي جِينِينَ مَا انْكَفَأَتْ

إنْ قَلَّ يومًا أَعَادِيهَا .. وإنْ كَثُـروا !!

 

لَها إلَى كُلِّ ثَغْرٍ وَثْبَةٌ شَرُفَتْ

وَقِصَّةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ تُدَّكَـرُ !!

 

اللهُ أكْبَرُ فِي الدُّنْيَا مُجَلْجِلَةٌ

فَالفَجرُ آتٍ .. وَإِنْ أخْفَاهُ مُعْـتَكِرُ !!

 

لاَ يُعْدِم الليلُ ريحَ الزَّهرِ مُـنْتَـشِرًا

ويُتّقَى بَطْشُ أُسْدٍ وَهْيَ تَحْتَضِرُ !!

 

***

فِي كُلّ مِصْرٍ تَرَى فِرْعَوْنَ مُنْتَظِراً

مِيلاَدَ مُوسَى بِجَيْشٍ كُلُّهُ خَطَـرُ !!

 

لَكِنَّ مُوسَى سَيَأْتِي رغْمَ مَا حَشَدُوا

وكلُّ فِرْعَوْنِ مِصْرٍ سَوْفَ ينْـدَحِرُ !!

 

لَنْ يُلْجِمَ الكُفرُ خَيْلَ الْحَقِّ رَافِضَةً

كِبْراً يَفُوحُ الشَّذَى .. والزَّهْرُ يُعْتَصَرُ!!

 

***

صَلَّتْ عليكَ أَحَادِيثٌ وَأَدْعِيةٌ

وشيَّعتْكَ إِلَى إِغْفَائِكَ السُّـوَرُ !!

 

واسْتَغْفَرَتْ لَكَ فِي السَّبْـعِ العُلَى أُمَمٌ

والبَـرُّ.. والبَحْرُ.. وَالْوَاحَاتُ .. وَالْجُـزُرُ !!

 

يُطوَى الأَنامُ إلَى حينٍ لِيَنْتَشِـرُوا

وَأَنْتَ فِينَا مَدَى الأَزْمَانِ مُنتشِـُر !!

 

تَنَازَعَتْكَ بِقاَعُ الأَرْضِ قَاطِبَةً

فَاسْتَأْثَرَتْ بِكَ مَنْ يَثْـوي بِهَا الأَثَـرُ !!

 

فَنَمْ بِجِيـرَةِ خَيْـرِ الخَلْقِ كلِّهِمِ

طَابَ الجِوَارُ.. وَطَابَ الزَّادُ والسَّـفَرُ !!

 

***

شعر :الزبير دردوخ / الجزائر

1996م

 

 

 

 

*****